ابن قيم الجوزية

586

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

قلت : مثاله قوله تعالى : لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ( 79 ) [ الواقعة : 79 ] . قال : والصحيح في الآية ، أن المراد به : الصحف التي بأيدي الملائكة لوجوه عديدة : منها : أنه وصفه بأنه « مكنون » و « المكنون » المستور عن العيون . وهذا إنما هو في الصحف التي بأيدي الملائكة . ومنها : أنه قال : « لا يمسه إلا المطهرون » وهم الملائكة . ولو أراد المتوضئين لقال : لا يمسه إلا المتطهرون . كما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [ البقرة : 222 ] فالملائكة مطهرون . والمؤمنون متطهرون . ومنها : أن هذا إخبار . ولو كان نهيا لقال : لا يمسسه بالجزم . والأصل في الخبر : أن يكون خبرا صورة ومعنى . ومنها : أن هذا رد على من قال : إن الشيطان جاء بهذا القرآن . فأخبر تعالى : أنه في كتاب مكنون لا تناله الشياطين . ولا وصول لها إليه ، كما قال تعالى في آية الشعراء : وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ( 210 ) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ ( 211 ) [ الشّعراء : 210 ، 211 ] وإنما تناله الأرواح المطهرة . وهم الملائكة . ومنها : أن هذا نظير الآية التي في سورة عبس : كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ ( 11 ) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ( 12 ) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ( 13 ) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ( 14 ) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ( 15 ) كِرامٍ بَرَرَةٍ ( 16 ) [ عبس : الآيات 11 - 16 ] . قال مالك في « موطئه » : أحسن ما سمعت في تفسير قوله « لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ » أنها مثل هذه الآية التي في سورة عبس . ومنها : أن الآية مكية من سورة مكية . تتضمن تقرير التوحيد والنبوة والمعاد ، وإثبات الصانع ، والرد على الكفار . وهذا المعنى أليق بالمقصود من فرع عملي . وهو حكم مس المحدث المصحف . ومنها : أنه لو أريد به الكتاب الذي بأيدي الناس : لم يكن في الإقسام على ذلك بهذا القسم العظيم كثير فائدة . إذ من المعلوم : أن كل كلام فهو قابل لأن يكون في كتاب حقا أو باطلا . بخلاف ما إذا وقع القسم على أنه في كتاب مصون ، مستور عن العيون عند اللّه . لا يصل إليه شيطان . ولا ينال منه . ولا يمسه إلا الأرواح الطاهرة الزكية . فهذا المعنى أليق وأجل وأخلق بالآية وأولى بلا شك . فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - يقول : لكن تدل الآية بإشارتها على أنه لا يمس المصحف إلا طاهر . لأنه إذا كانت تلك الصحف لا يمسها إلا المطهرون ، لكرامتها على اللّه . فهذه الصحف أولى أن لا يمسها إلا طاهر . وسمعته يقول في قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة » إذا كانت الملائكة المخلوقون يمنعها الكلب والصورة عن دخول البيت . فكيف تلج معرفة اللّه عزّ وجلّ ، ومحبته وحلاوة ذكره ، والأنس بقربه ، في قلب ممتلئ بكلاب الشهوات وصورها ؟ فهذا من إشارة اللفظ الصحيحة . ومن هذا : أن طهارة الثوب الطاهر والبدن إذا كانت شرطا في صحة الصلاة والاعتداد